شخصيات مصرية خالدة ، الزعيم المصري مصطفى النحاس

بقلم / سيد علي الرسام


من أبرز الشخصيات السياسية التى أمتلكت جماهيرية وشعبية كبيرة بأعمال كتبت له الخلود وألهمت بكل مشاعر الحماس المصريين للأخذ بزمام المبادرة لبناء
الوطن .

كما يعد من أبرز الزعماء لحركات الإستقلال الوطنى ذات التوجه الديمقراطى التى ظهرت عقب الحرب العالمية الأولى

**- ويقف النحاس عن أستحقاق و جداره إلى جانب أسماء عظيمة لعبت دورا فى تاريخ الإنسانية مثل غاندى ونهرو فى الهند، وديفاليرا فى أيرلندا وسعد زغلول فى مصر

نعم…. كان خليفة لسعد فى نضاله ، وطوال تاريخه السياسى قدم نموذجا للتمسك بالمبادئ، والصمود فى وجه الأزمات العاتية التي ألمت به و بمعشوقته مصر الغالية.

**- تقلد النحاس باشا رئاسة الوزراء في عهد الدولة الملكية، وأكمل المسيرة التى بدأها زعيم الأمة سعد زعلول في تولى أمور المصريين، وأصبح زعيما لحزب الوفد بعد وفاة الزعيم سعد زغلول عام ١٩٢٧

**- إستطاع أن يلعب دورًا واضحًا في السياسة المصرية لمدة نصف قرن.

**- يعد واحداً من جيل السياسيين المصريين الذين دافعوا عن مصر من إحتلال غاشم لايرضى لها بالعزة والكرامة.

**- هذا الوطني الذي قطع أجازته بعد أول يوم فيها ويعود ليهنئ بقيام الثورة عام ١٩٥٢ في مبني قيادة الجيش بعد منتصف الليل، فيلاقيه اللواء محمد نجيب معانقا متحمسا‏..‏ إنه الزعيم الراحل مصطفى النحاس أول من منع اختلاط الدين بالسياسة وحذر من الإخوان، والذى ظل ثابتا على مواقفه في الدفاع عن مصر ودستورها، وكرامة شعبها.

**نشأته وحياته المبكرة**

الزعيم النحاس فلاح أصيل ، ولد في ١٥ يونيه١٨٧٩ في سمنود بمحافظة الغربية، كان والده محمد النحاس أحد تجار الأخشاب المشهورين فى ذلك الوقت .

**- تلقى تعليمه الأساسي في كُتاب القرية في سن السابعة ، مثل كل أبناء جيله، وفي سن الحادية عشر عمل بمكتب التلغراف المحلي، ونتيجة لنبوغه وإتقانه لعمله نال إعجاب من في المكتب ، مما أقنع والده بضرورة تعليمه في القاهرة.

**- فألتحق بالمدرسة الناصرية الإبتدائية بالقاهرة، ثم بالمدرسة الخديوية الثانوية،وتخرج من مدرسة الحقوق (كلية الحقوق الآن) عام ١٩٠٠

**- بدء النحاس حياته العملية كمحام حر، في مكتب الزعيم “محمد فريد” الذي تولى زعامة الحزب الوطني بعد وفاة “مصطفى كامل”، وظل يعمل في المحاماة حتي عام ١٩٠٣ ، ثم عمل بالقضاء وأمضى فيها( ٩ ) أعوام متنقلا بين مختلف المدن المصرية، إلى أن حصل على رتبة البكوية.

**بداية حياته السياسية**
كان النحاس بحسه الوطنى العالى يمتلك شعورًا عدائيًا للإحتلال البريطاني علي مصر ، كما كان مؤيدا لفكر الحزب الوطنى، ومتأثرا هو وأصدقائه بالمبادئ التى انتشرت بعد الحرب العالمية الأولى والتى تدعو بحق الشعوب الصغيرة فى تقرير مصيرها ، مما شغله بالتفكير فى طرق وأساليب لإيصال صوت مصر للعالم .

**علاقة النحاس بالزعيم سعد زغلول**

**- كان سعد زغلول يكن كثيرا من الإحترام لشخص النحاس كقاضى وطنى شجاع ونابغة فى مجاله ، وعندما ذهب النحاس للتواصل مع “عبد العزيز فهمي” أحد المقربين من سعد زعلول، ليقنعه بإستعداده للعمل تحت قيادة سعد زغلول، وكان سعد يسعى لتشكيل حزب الوفد، فضم مصطفى النحاس كأحد أعضاء الحزب الوطنى الأكثر موضوعية ووعيا، كما اختار مصطفى النحاس و”حافظ عفيفي” في ٢٠ نوفمبر ١٩١٨ ضمن أعضاء الوفد السبعة.

**- كان النحاس من أكثر المقربين من سعد زغلول، وقام الزعيم سعد زغلول بتعيينه سكرتيراً عاماً للوفد ، وكان زميلا له فى المنفي عندما اشتعلت ثورة ١٩١٩ ، بعدما أعتقلت السلطات سعد زغلول ومصطفي النحاس و”فتح الله بركات” و”عاطف بركات” و”سينوت حنا” و”مكرم عبيد” في ٢٣ ديسمبر ١٩٢١ وقامت بنفيهم إلي جزيرة ((سيشل))، إلى أن اضطُرالإحتلال إلى إطلاق سراح الثوار أمام ثورة الشعب العارمة .
كما كان مصطفى النحاس يعتبر سعد زغلول زعيما روحيا له يستلهم من مبادئه وأفكاره وأعماله ووطنيته التى لايزايد عليها التاريخ الوطنى ، وقد كان للقدر دورا فى جعل أوجه التشابه في الظروف والطبائع التي جمعت بين الزعيمين، حيث يمتلك كلاهما شعبية جارفة ورغبة قوية فى الكفاح من أجل صالح الشعب بشجاعة وعدل، حتى تاريخ وفاتهما كان في ذات الشهر حيث توفي سعد زغلول في ٢٣ أغسطس ١٩٢٣، وتوفي النحاس في ٢٣ اغسطس ١٩٦٥…… صدف تحمل علامات لنتعلم منها الكثير.

**دور النحاس فى ثورة ١٩١٩ ودعم حزب الوفد**

أظهر النحاس دورا وطنيا فريدا فى دعم ثورة ١٩١٩ ، حيث نظم مع عبد العزيز فهمي إضراب المحامين، وكذلك كان الوسيط بين لجنة الموظفين بالقاهرة واللجنة فى طنطا، فكان يحمل المنشورات داخل ملابسه ويقوم بتوزيعها هو ومجموعته على أفراد الشعب ، ونتيجة لنشاطه السياسي الوطنى تم فصله من منصبه كقاضٍ.

**- كان النحاس الذراع الأيمن لسعد زغلول، وتم تعيينه سكرتيرًا للجنة الوفد المركزية في القاهرة، وبعد إنضمامه لسعد زغلول في باريس، قدم إليه تقريراً حول رأي الشعب في مشروع ((ملنر))، وكانت طريقة تفاعله مع هذا المشروع _ برغم رفضه له مثل سعد زغلول وطلبه لعرضه على الشعب – دليلا واعيا أنه يملك رؤية فى التفكير من أجل صالح كل المصريين وليس فئة واحدة منهم، واتفق الزعيمان على ضرورة وضع مصلحة مختلف فئات الشعب فى الاعتبار.

و الشيء بالشيء يُذكر مشاركة النحاس فى أول حكومة وفدية تشكلت بناء على نتيجة أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس دستور ١٩٢٣، فى ٢٨ يناير ١٩٢٤ برئاسة سعد زغلول، وتولى مصطفى النحاس فيها وزارة المواصلات، لكن الوزارة لم تكمل العام واستقالت فى نوفمبر ١٩٢٤ إحتجاجا على العقوبات التى فرضتها بريطانيا على مصر بعد اغتيال السردار “لى ستاك”.

**النحاس رئيسا لحزب الوفد**

**- عقب وفاة الزعيم سعد زغلول أصبح النحاس رئيسا لحزب الوفد ورئيسا للبرلمان، وبموافقة غالبية الأعضاء مستكملا مسيرة زعيمه وملهمه الروحى، وقد كان أهم ما يميز النحاس بساطته الشخصية فقد امتلك أدوات التخاطب والتعامل مع الجماهير فبعد خلافته للزعيم سعد زغلول ظهرت مواهب النحاس الشخصية التى لم تكن تظهر بشكل كبير نظرا لعمله الوطنى وانشغاله بأمور ومعضلات الشعب الكبيرة ، واستمر مصطفي النحاس الذي قضي عمره يدافع عن الوطن وقضيته الوطنية من خلال حزب الوفد متمسكاً بثوابته التي لا تختلف عن ثوابت كل المصريين الذين كانوا يعملون من أجل لقمة العيش ويناضلون ضد الاحتلال، فكان الرجل مميزاً في إدارته للوفد ومصالح الشعب مستعيرا فكر القاضي العادل .
وحمل النحاس راية النضال الوطنى زعيما لحزب الأغلبية فى ظروف حصار مستمر للحياة النيابية على يد الملك والاحتلال البريطاني .

**- خلال الفترة من مارس ١٩٢٨ إلى يناير ١٩٥٢ تولى مصطفى النحاس رئاسة الوزارة سبع مرات، لكن مجموع ما قضاه النحاس فى الحكم لا يتجاوز سبع سنوات وعدة أسابيع، فعادة ما كان حكمه ينتهى بانقلاب دستورى حتى فى الوزارة الأخيرة التى أقالها فاروق فى ٢٧ يناير ١٩٥٢.

**الزعيم مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر**

**- تولى مصطفى النحاس رئاسة وزراء مصر سبع مرات ، منذ عام ١٩٢٨ ، وكانت تلك السنوات من أهم سنوات الحركة الوطنية المصرية فى العقود الثلاثة بين عامى ثورتى ١٩١٩ و١٩٥٢.
فى هذه السنوات قليلة العدد قدمت الحكومات الوفدية أهم مشروعات القوانين إلى مجلس النواب منها
***قوانين العمال
***عقود العمل
***مجانية التعليم

وعندما اشتعلت المواجهات فى فلسطين بين عامى ١٩٣٦ و١٩٣٩ ***أسس النحاس اللجنة العربية العليا
***قام بزيارة القدس

كما يحسب له دوره فى إبرام المعاهدة المصرية الإنجليزية عام ١٩٣٦ قبل إنطلاق شرارة الحرب العالمية الثانية وكذلك عبقريته فى اختيار توقيت إلغاء هذه المعاهدة فى أكتوبر عام ١٩٥١ معلنا بذلك قطع كل علاقة مع المحتل والدعوة إلى مواجهته شعبيا وعسكريا فى منطقة القناة .

عاش النحاس معظم حياته معارضاً، من أجل الدفاع عن مصالح الشعب المصرى بكل طوائفه ، فبرغم كل هذه الوزارات وكل هذا السلطان كان يعود بعد أشهر قليلة من الحكم إلي صفوف الجماهير، مناضلاً ومكافحاً من أجل الحرية والديمقراطية.

**- تعرض النحاس لكثير من الاعتداءات والمصادمات نتيجه لكل تلك الصراعات ، إلا إنه وفى نهاية كل مؤامرة كان الشعب يقول كلمته، وتخرج المظاهرات هاتفه بأسمه، فعند اشتعال ثورة (٣٦-٣٩)١٩ في فلسطين، أسس النحاس اللجنة العربية العليا كمحاولة لتهدئة الأمور في المنطقة، كما كان مسؤولاً عن معاهدة عام ١٩٣٦ وبعد إلغاءها، أشتعلت إضطرابات مضادة للإنجليز مما أدى إلى حل وزارته.
فى ديسمبر ١٩٣٧ …

**- أعترض أعضاء مجلس النواب على قرار الحل فتدخل البوليس لإخراج الأعضاء بالقوة من المجلس، ونتيجة للصراعات بين الأحزاب السياسية المختلفة كلفه الملك بتشكيل الوزارة فى محاولة لحقن الصراعات .

**- في عام ١٩٣٨م وقعت المحاولة الثالثة للإعتداء على الزعيم مصطفى النحاس بوضع متفجرات في موتور سيارته، فتم إكتشاف أمرها وإبعادها ونجا النحاس بمعجزة من عند الله.

**- في 5 أبريل ١٩٤٠ قدم الزعيم مذكرة للسفير البريطاني ، يطالب فيها بإنسحاب القوات البريطانية من الأراضي المصرية فور انتهاء الحرب، وأن تشارك مصر في مفاوضات الصلح ويتم الاعتراف بحقوق مصر في السودان وإلغاء الأحكام العرفية، وبرغم أن هذه المذكرة ُقوبلت بإرتياح كبير من فئات الشعب إلا أن قوات الاحتلال أبدت عنفا وبطشا منقطع النظير .
إلا أن الحادث الأبرز فى حياة النحاس هو( ٤ فبراير ١٩٤٢ ) عندما حاصرت الدبابات الإنجليزية قصر عابدين وأرسل المندوب السامى البريطانى إنذاره إلى الملك فاروق بضرورة تولى النحاس رئاسة الحكومة على أساس أن النحاس هو الشخص الذى وقع المعاهدة مع بريطانيا وأن وجوده فى رئاسة الحكومة هو الضامن للمصالح البريطانية فى مصر، وبرغم احتجاجه على تدخل الإنجليز فى شؤون مصر في خطابه المشهور والذى جاء فيه: “لقد كلفت بمهمة تأليف الوزارة وقبلت هذا التكليف الذي صدر من جلالة الملك، بما له من الحقوق الدستورية وليكن مفهوما أن الأساس الذي قبلت عليه هذه المهمة هو أنه لا المعاهدة البريطانية المصرية ولا مركز مصر كدولة مستقلة ذات سيادة يسمحان بالتدخل في شؤون مصر الداخلية وبخاصة في تأليف الوزارات أو تغييرها”، إلا أن خصومه السياسيين لم يهتموا بإنجازاته ووطنيته وشعبيته الجارفة ، ليصبح النحاس هدفا للسراى ولأحزاب الأقلية وأصبحت حياته كلها حربا يقودها خصومه السياسيين من جهة ومؤامرات القصر والاستعمار من جهة أخرى.

**دوره فى تأسيس جامعة الدول العربية**

إنطلاقا من مبادئ الوطنية العريقة ومع نشأة الحراك القومي والرغبة في لم كيان الدول العربية في فترة مقاومة الاستعمار، تبنى الزعيم فكرة إنشاء جامعة للدول العربية وساهمت مصر من خلاله فى خطوات دعم وبناء هذا الكيان .

**- بالتزامن مع دعوة وزير الخارجية البريطاني … ألقى مصطفى النحاس رئيس الوزراء آنذاك خطابا في مجلس الشيوخ عام ١٩٤٢ أعلن فيه سعي مصر إلى عقد مؤتمر للقادة العرب لبحث أمر الوحدة العربية ، وكانت هذه أول مرة تثار فيها فكرة الجامعة العربية بمثل هذا الوضوح، ثم عاد بعد نحو شهر أمام مجلس العموم، ليؤكد استعداد الحكومة المصرية لاستطلاع آراء الحكومات العربية في موضوع الوحدة وعقد مؤتمر لمناقشته، ودعت مصر في (٥) سبتمبر ١٩٤٢ كلا من السعودية – لبنان – العراق -الأردن – سوريا – اليمن وفلسطين لإيفاد مندوبين عنها لتبادل الرأي، وتشكلت لجنة تحضيرية عقدت إجتماعاتها على إمتداد أسبوعين في الإسكندرية، وبدأت مرحلة عرفت بأسم

“مشاورات الوحدة العربية”

**- أعقب ذلك اجتماع النحاس رئيس الوزراء المصري مع كل من رئيس الوزراء السوري ورئيس الكتلة الوطنية في لبنان ، واستهدف الإجتماع إنشاء جامعة عربية تحتضن كافة الدول العربية وترعاهم،

وقد بدأت تنتشر هذه الفكرة وتنمو، وبدأ العمل الجاد عليها مع تعدد الأفكار حول الصورة التي سوف يظهر بها هذا الكيان الوليد.
في السابع من أكتوبر ١٩٤٤ كانت الخطوة الكبيرة بالتوقيع على ما يعرف بأسم “”بروتوكول الإسكندرية”” من قبل رؤساء حكومات الدول العربية ، وقد أقيمت مراسم التوقيع على الوثيقة بمقر إدارة جامعة فاروق الأول فى ذلك الوقت (جامعة الإسكندرية حاليا)، وأعقب ذلك ( ١٦ ) إجتماعاً بدار وزارة الخارجية المصرية بالإسكندرية، بدعم مصرى خالص ليتم التوقيع على صيغة ميثاق الجامعة فى مارس ١٩٤٥ بالقاعة الرئيسية بقصر الزعفران بالقاهرة وبحضور الزعيم مصطفى النحاس .

**- تزوج الزعيم من السيدة زينب الوكيل وخاضا سويا كثيرا من الأزمات التى حاولت أن تنال من تاريخ نضال الزعيم وتطعن فى وفاءه ونزاهته من أجل مصلحة الوطن.

**- مع قيام ثورة ١٩٥٢ ، إعتزل الزعيم الحياة السياسية مكتفياً بحياة عادية كمواطن مصرى قدم مصالح الجماهير على أى مصالح أو أغراض مادية، وتوفي في منزله بجاردن سيتي ٢٣ اغسطس ١٩٦٥م وشيعت جنازته من مسجد الحسين بالقاهرة ، وكان الاستفتاء الشعبى الحقيقى على زعامة مصطفى النحاس يوم جنازته حيث وقف الشعب فى الوداع الأخير لزعيم أخلص لوطنه ولقضاياه.
ونتيجة لثراء شخصية النحاس ودوره فى النضال من أجل مصر ودستورها واستقلالها ودولتها المدنية التى لا تعرف خلط الدين بالسياسة، تم تناول شخصيته بعدد من الأفلام والمسلسلات والأعمال الأدبية، فى حوالى ١٢ عملا ، آخرها مسلسل الجماعة ( ٢ ) عام ٢٠١٦، وتناول الفترة من عام ١٩٤٩ حتى ١٩٦٦، بجانب العديد من الكتابات التى تناولت سيرته الذاتية.

هكذا كان النحاس رائداً من رواد الوطنية المصرية، انطلق بمصر إلى آفاق جديدة وترأس الحكومة المصرية، وكانت له مواقف عظيمة فى بناء مصر سياسياً واقتصادياً، خاض معارك نضالية للدفاع عن الدستور، واستقلال الإرادة الوطنية، والوحدة بين مصر والسودان صامداً أمام بطش الاحتلال والطغيان والفساد.

Related posts